نواجه خلال رحلة حياتنا العديد من العقبات والطرق الوعرة، التي تمتحن ثباتنا وقدرتنا على تخطيها، وما يساعدنا على النهوض بعد كل عثرة ليس القوة الجسدية فحسب، وإنما المرونة النفسية، التي تمكننا من التعامل مع المشكلات باتزان وحكمة وهدوء.
لنستكشف معاً أهم التقنيات العلاجية التي تساعد على بناء المرونة النفسية، بأساليب يمكن ممارستها في حياتك اليومية بسهولة، لمواجهة التحديات بقلبٍ مطمئن وعقلٍ أكثر قوة ومرونة.
أهم التقنيات العلاجية لبناء المرونة النفسية
تحمل الضيق: الصمود وسط العاصفة
عندما نمر بلحظات صعبة ومشاعر سلبية، قد نندفع بدون وعي إلى الهروب من الموقف أو البكاء بشدة، وربما ننفجر غضباً، ثم نندم لاحقاً على كلمات أو تصرفات صدرت عنا نتيجة الانفعال، وهذا ما يزيد معاناتنا، وهنا تبرز أهمية تقنية تحمل الضيق، فهي تهدف إلى الصمود أمام الموقف المؤلم والتوقف للحظات بدون القيام بأي ردة فعل متسرعة، مع محاولة تهدئة نفسنا عبر تنظيم التنفس أو تشتيت الانتباه مؤقتاً، حتى تنخفض شدة الانفعال ونتمكن من التفكير بهدوء واتخاذ قرار واعٍ مع الحفاظ على توازننا النفسي.
خطوات تقنية تحمل الضيق:
- توقف للحظة، لا تتحدث، لا تتحرك، فقط اثبت في مكانك لثوانٍ.
- خذ نفساً عميقاً وحاول تهدئة وتنظيم تنفسك.
- راقب أحاسيسك الجسدية، مثل ضيق صدرك، ارتعاش يديك، أو ضربات قلبك.
- حاول الابتعاد ذهنياً أو جسدياً عن مصدر الإزعاج، إما بتوجيه الانتباه لما يجري حولك أو بالمشي خارجاً لدقيقتين.
- خاطب نفسك بجمل لطيفة ومطمئنة، مثل أنا قادر على تحمل هذا الموقف، هذا الشعور مؤقت وسيمر.
إعادة توجيه الانتباه
عندما نواجه موقف ضاغط أو تخطر لنا فكرة مزعجة، ينحصر كل تفكيرنا بدون أن نشعر في هذا الموقف، ويدخل عقلنا في حلقة مفرغة من الأفكار المزعجة، ليأتي دور تقنية إعادة توجيه الانتباه، حيث تقوم التقنية على توجيه تركيزك مؤقتاً عن الأفكار والمشاعر المقلقة، إلى محيطك الخارجي، أو إلى مهام محددة في تلك اللحظة، وبتكرار العملية ستلاحظ أنك بدأت في استعادة السيطرة والشعور بالهدوء، بدل إهدار طاقتك النفسية بالتفكير السلبي.
خطوات تقنية إعادة توجيه الانتباه عندما يعلق عقلك بفكرة سلبية:
- وجه انتباهك لشيء ملموس حولك: تأمل لوحة على الحائط، اشعر بملمس الأشياء من حولك، استمع بدقة للأصوات في الشارع.
- نفذ نشاطاً ذهنياً بسيطاً: عدد خمس أشياء تراها أمامك، خمس ألوان، خمس أشكال، أو خمس كتب قرأتها.
- قم بحركة جسدية بسيطة: تمرين رياضي، ترتيب المكان حولك، تحضير كوب من الشاي.
مع تكرار التقنية ستلاحظ انخفاض مستويات التوتر تدريجياً، وستستعيد إحساسك بالهدوء والقدرة على التحكم بالموقف.
بناء المعنى والقيم
في لحظات ضعفنا وانكسارنا غالباً ما تراودنا أسئلة مؤلمة، مثل لماذا أنا؟ لماذا يحدث كل هذا لي؟ ما الفائدة من المحاولة؟ وهنا يأتي دور تقنية بناء المعنى والقيم، حيث تساعدنا على توجيه حياتنا إلى ما هو أعمق من ردود الفعل اللحظية أو المشاعر المتقلبة، فبدلاً من الاستسلام للإحباط والخوف والألم، تتحوّل التجربة القاسية إلى فرصة لاكتشاف قيمة أسمى تمنحها معنى واتجاهاً.
فعندما تحدد قيمنا الأساسية في الحياة مثل العائلة، مساعدة الآخرين، التعاطف، المسؤولية، سنتمكن من اتخاذ قرارات تتماشى مع ذواتنا، وسنجد معنى لمعاناتنا، كما سنمتلك القدرة على تحمل الألم بشجاعة وثبات.
كيف تصنع المعنى:
- اربط ألمك النفسي بقيمة ظهرت خلال تجربتك، مثل الصبر أو الشجاعة.
- اسأل نفسك: ماذا تعلمت من هذه التجربة؟ وكيف جعلتك أكثر وعياً ونضجاً؟
- فكر في الأثر الذي ستتركه التجربة في حياتك، وكيف يمكن أن تجعلك أكثر نفعاً لنفسك ولمن حولك.
- قم بفعل يعبر عن قيمك، مثل مساعدة شخص يحتاج الدعم، أو الاهتمام بنفسك بطريقة واعية.
حل المشكلات الممنهج
في كثير من الأحيان عندما نواجه المشاكل والتحديات، قد نشعر بالقلق والعجز عن التعامل معها، وهنا بالتحديد يأتي دور تقنية حل المشكلات الممنهج، لتمكننا من التعامل مع المشكلات بطريقة عقلانية بعيداً عن الاندفاع والقرارات المتسرعة، وذلك باتباع خطوات مدروسة تعيد لنا شعور السيطرة وتمكننا من إدارة مشكلاتنا بعقلانية.
خطوات حل المشكلات الممنهج لتتخلص من الشعور بالعجز:
- حدد المشكلة بدقة: ما الذي يحدث فعلاً؟ وكيف يمكنك التأثير بالموقف؟
- قسم المشكلة إلى أجزاء صغيرة بدل النظر إليها ككل.
- اكتب عدة بدائل للحل، دون الحكم عليه في البداية.
- قيم الحلول التي كتبتها، بحسب إمكاناتك والنتائج المتوقعة.
- اختر الحل الأنسب وقم بتطبيقه بالتدريج مع مراقبة النتائج، والتعديل على الخطة إذا لزم الأمر.
إعادة صياغة المواقف
تساعدنا تقنية إعادة صياغة الموقف على النظر إلى الموقف من جهة مختلفة وأكثر توازناً، فبدل تفسيرنا السلبي والتلقائي للموقف، نلجأ لتفسير واقعي موضوعي وأكثر مرونة، مما يساعدنا على التعامل مع التجربة بهدوء وثقة أكبر.
مثال عن إعادة صياغة الموقف:
إذا تقدمت إلى وظيفة ولم يتم قبولك، بدل القول: هذا دليل على فشلي، يمكن إعادة صياغة الموقف بهذا الشكل: ربما لم يكن هذا المكان مناسباً لي، وقد يكون الرفض خطوة تقربني من فرصة أفضل تتوافق أكثر مع مهاراتي وخبرتي.
التعاطف مع الذات
كثيراً ما نعامل بقسوة عندما نخطئ أو نضعف، لذلك تساعدنا تقنية التعاطف مع الذات على استبدال اللوم والنقد القاسي، بلغة أكثر لطفاً ورحمة، أن نتعامل مع أنفسنا كما نعامل شخصاً عزيزاً علينا يمر بوقت صعب.
ففي النهاية نحن بشر، نخطئ ونتألم ونتعثر، ومن حقنا أن نمنح أنفسنا مساحة للتفهم والدعم بدل جلد الذات.
تأريض الحواس الخمس
تعد تأريض الحواس الخمس وسيلة فعالة للعودة إلى اللحظة الحالية، بدل الغرق بالحزن والقلق، حيث تساعدنا على تخفيف حدة هذه المشاعر واستعادة الإحساس بالأمان والاتزان الداخلي.
كيف تطبق تقنية تأريض الحواس؟
- اذكر خمسة أشياء تراها من حولك.
- استشعر بيديك أربعة أشياء تلمسها.
- اصغِ بتركيز واذكر ثلاثة أصوات تسمعها.
- ميز رائحتين يمكنك شمهما في المكان.
- اذكر شيء واحد تتذوقه في فمك.
خلاصة المقال
المرونة النفسية ليست صفة تولد بها، بل مهارة نبنيها يوماً بعد يوم، اختر تقنية واحدة لامست قلبك وشعرت أنها قريبة منك، وداوم على ممارستها يومياً، فكل خطوة مهما بدت صغيرة يمكن أن تقربك من السلام النفسي.
وتذكر أن طلبك للمساعدة من المعالج النفسي ليس دليلاً على الضعف، بل خطوة شجاعة في سبيل تحقيق التعافي والطمأنينة، أنت تستحق أن تعيش بسلام، لا تتردد في البحث عن الدعم متى احتجته…. نحن هنا إلى جانبك.
